محمد بن زكريا الرازي
359
الحاوي في الطب
قال : من كان من المرضى يأتي بحرانه في السابع إلى التاسع فأعطه ماء الشعير وبعد أن يجيئه البحران فالأجود ألا تغلظ التدبير يومين بعده لتأمن أن يكون ذلك سببا لاختلاف النوبة ، وليكن تحذرك بقدر الاستفراغ الذي إن كان قليلا فتحذر ولطف التدبير وبالضد . والتدبير المتوسط « 1 » أن يعطى بعد البحران بالغداة ماء الشعير وفي آخر النهار الأطعمة اللطيفة الخفيفة يومين بعد البحران ثم تزيد في غلظ التدبير وترده إلى العادة فإن هذا هو أفضل في التدبير . قال : وهذه الأطعمة : السمك الصخري وصفرة البيض النيمرشت والفراخ والفراريج وخصي الديوك ونحوها . قال : فمتى ابتدأت حمى والعليل قريب العهد بالطعام ولم ينحدر بطنه فلا تعطه كشك الشعير قبل أن ينحدر بطنه . استعن بباب ذات الجنب فإنه فيه أمثلة جيادا . قال : الغذاء إنما يحتاج إليه في الصحة والمرض لبقاء القوة الحيوانية بحالها فمتى اضطررت إليه في حفظ القوة فقدمه ، لأنك إن لم تفعل ذلك هلك العليل فإذا فعلت ذلك لم يضره طول المرض ، فإن أمكنك وساعدتك القوة فلا تغذ العليل فإن الغذاء لا ينتفع به في المرض إلا أن يكون غذاء دوائيا مثل ماء كشك الشعير ، فمتى احتملت القوة إلى أن تبقى إلى حدوث البحران فلا تستعمل الأشربة فإن من المرضى من لا يمكنه أن يبقى إلى الخامس والسابع بلا غذاء سوى السكنجبين وماء العسل ، وأما أصحاب الأبدان القوية التي لا يتحلل منها شيء وسحنة أبدانهم صلبة وعروقهم واسعة وقوتهم الحيوانية قوية فيمكنهم أن يبقوا إلى السابع بلا غذاء ، وأما الضعيفو القوة كالمشايخ والكثيري التحلل كالصبيان فلا يمكنهم أن يمسكوا عن الغذاء فلذلك أحمل الناس على الإمساك عن الغذاء الكهول ثم البالغون من الشباب إذا كانت أبدانهم صلبة قوية التحلل واسعة العروق والهواء بارد والتدبير قبل ذلك غليظ . ولا تعط كشك الشعير وفي البطن أثفال محتبسة فإن كانت أثفال محتبسة وعهده بالطعام قريب فاحقنه إن كان قويا أو حمله شيافة حتى تخرج الأثفال ثم أعطه بعد ذلك كشك الشعير إن احتاج إلى ذلك واجعل وقت إعطاء الغذاء بعيدا من النوبة ما أمكن . قال أبقراط : إياك أن تغذو والقدمان باردتان لكن غذه وهما حارتان وهذا هو وقت الانحطاط . واستعمل أولا ماء الكشك فإنه أخف على الطبيعة وأسهل عليها وأكثر ترطيبا حتى إذا قويت وأردت أن تنعش القوة فاستعمله أغلظ ثم استعمل الكشك نفسه مطبوخا وكذا درجه في كمية ما تعطي . قال : وإذا رأيت المرض أخف فأعط قبل ماء الشعير ماء العسل . واستدل على يبس المرض الذي في جميع العروق بيبس اللسان وقحل الجلد . وعلى الذي في الكبد بيبس الثفل وشدة العطش . وعلى الذي في الرئة بثقل النفس وتأخره . ففي هذا أعط ماء العسل قبل ماء الشعير ليرطب يبس المرض ويوهن عاديته .
--> ( 1 ) لعله : اللطيف .